القاضي التنوخي

217

الفرج بعد الشدة

المتوكّل أبو الفضل جعفر المتوكّل بن أبي إسحاق محمد المعتصم ( 207 - 247 ) : لم يكن المتوكّل أكبر أولاد المعتصم ، ولذلك فإنّه لم يعدّ في نشأته إعدادا يؤهّله للموضع الّذي وضعته الظروف فيه . وعندما توفّي الواثق ، واجتمع رجال الدّولة يتذاكرون فيمن يرشّح للحكم ، كان المتوكّل - إذ ذاك - في قميص وسراويل قاعدا مع أبناء الأتراك ، يتساءل ما الخبر ؟ ( الطبري 9 / 154 ) . وكان وهو شاب له شعر قفا في زيّ المخنثين ( الطبري 9 / 157 ) ، غير أنّ وفاة أخيه الواثق ، وعدم وجود خلف له في سنّ تؤهّله للحكم ، اضطرّ رجال الدّولة إلى اختيار المتوكّل خلفا لأخيه ، وأصرّ القاضي النبيل أبو عبد اللّه أحمد بن أبي دؤاد على مبايعته ، وألبسه الطويلة ، وعمّمه بيده ( الطبري 9 / 154 ) ، وكان جزاؤه منه على ذلك أن قبض ضياعه وضياع أولاده ، وأجبرهم على الإقرار والإشهاد ببيعها ، وحبس أولاده ، ثمّ نفاهم عن سامراء ، ولم يحبس القاضي لأنّه كان مشلولا طريح الفراش ( الطبري 9 / 189 ) . ولمّا تولّى الحكم ساس المملكة سياسة صبيانية خرقاء ، قوامها التعصّب والنزق ، وهو أوّل من أظهر من بني العبّاس الانهماك على الشهوات ، وكان أصحابه يسخفون ويسفّون بحضرته ، وكان يهاتر الجلساء ، ويفاخر الرؤساء ( زهر الآداب 1 / 252 ) وكان أوّل خليفة ظهر في مجلسه اللعب والمضاحيك ( مروج الذهب 2 / 391 ) وكان له مضحكان ، اسم أوّلهما شعرة ، واسم الثاني : بعرة ( البصائر والذخائر م 1 ص 25 ) وكان يستطيب معاشرة المخنّثين ومجالستهم ( الملح والنوادر 282 ) وكان قد بسط نديمه عبادة المخنّث ، الّذي كان مجاهرا بالعهر والبغاء ( الصائر والذخائر م 4 ص 65 ) ، بحيث أباح له أن يدخل عليه وهو نائم مع نسائه ( الملح والنوادر 148 ) ، وكان أبو الشبل البرجمي قد نفق عليه بإيثاره العبث ( الأغاني 14 / 193 ) ( تجارب الأمم 6 / 556 ) وغضب على نديمه أحمد بن إبراهيم بن حمدون ، فنفاه إلى تكريت ، ثمّ قطع أذنيه ( معجم الأدباء 1 / 365 ) ، وكان قد غضب على إبراهيم بن حمدون ، والد أحمد ، إذ اتّهمه بأنّه قد حزن لموت الواثق ، فأمر بنفيه إلى السند ، وأن يضرب ثلاثمائة سوط ( معجم الأدباء 1 / 368 ) ولاطف أحد ندمائه ، فأمر بأن تدخل في استه فجلة ( الهفوات النادرة رقم 218 ص 230 ) .